
مع تفاقم الأزمة المالية والاقتصادية وسقوط قيمة الليرة، زاد الفقر والقلة بين الناس، وزادت معهما حاجات الدولة، ومسؤوليتها الأدبية في بناء الحد الأدنى من شبكة أمان اجتماعي، تبعد شبح الجوع والعوز عمن يفترض أنهم مواطنوها، خصوصا محدودي الدخل، والعسكريين في الأسلاك كافة، والمتقاعدين، إضافة الى موظفي الإدارة العامة.
أمام هذا الواقع، زادت الدولة الرواتب والأجور بنسبة 3 أضعاف، وكذلك نسب التعويضات المتممة للرواتب والأجور، ورفعت أيضا تعويضات بدل النقل اليومي، مما رفع حاجتها الشهرية الى سيولة طائلة لتغطية الإعتمادات المطلوبة من حسابها في مصرف لبنان، الذي كان يعاني، ولا يزال، عجزا خطيرا نتيجة أمرين: الأول، التدني الكبير في قيمة الرسوم و#الضرائب المجباة بسبب انهيار سعر الليرة، والثاني، لجوء جميع المستوردين والتجار الى تسديد الرسوم الجمركية، والقيمة المضافة، وغيرها من المتوجبات الضريبية، بالشيك المصرفي.
إستفاد المستوردون والتجار من هذه العملية، فهم من جهة إستطاعوا التخلص من ودائعهم العالقة في المصارف، حيث لا قدرة لهم على سحبها كاملة، بفعل سياسة مصرف لبنان، والمصارف التي تلتزم قراره تحديد سقوف السحوبات الشهرية، ومن جهة أخرى، أفادوا من تحوّل هذه المدفوعات بالشيكات، الى عملة صعبة نقدا، بعد إدغامها مع سعر كلفة السلعة المستوردة عند المبيع، مما سمح لهم بالمحافظة على قيمتها نسبيا.
اما الدولة التي غابت فترة طويلة عن التنبه، أو وقف التغافل عن خسائر كانت تصيب ماليتها ونقدها، فقد وعت، أولا: على ضرورة ضخ المزيد من “الليرة الكاش” في حسابها لدى مصرف لبنان، لتغطية حاجاتها المتزايدة، لتأمين مصاريفها، وثانيا: التخفيف قدر الإمكان من طباعة الليرة، وهو الأمر الذي اضطُر اليه المصرف المركزي مجبرا لتغطية مصاريف الدولة، مما تسبب بتضخم مريع في الكتلة النقدية ناهز الـ75 ألف مليار ليرة، والمزيد من تهاوي الثقة بها.
في العاشر من الجاري، أصدر وزير المال قرارا منسقا مع مصرف لبنان، أبلغه إلى إدارة الجمارك، أعادت وزارة المال عبره بعض الإنتظام الى موارد حسابها “نقداً” في مصرف لبنان، في خطوة قد تساعد في امتصاص النقد من السوق، وخفض نسبة التضخم، فيما لو سارت الأمور وفقا لما يبتغيه واضعو القرار الذي حدد كيفية استيفاء الضريبة الجمركية على المحروقات والسيارات وأجهزة الخليوي. ونص القرار على أن يتم استيفاء 75% من الضريبة الجمركية على هذه السلع نقدا و25% بموجب شيك مصرفي.
وفي الارقام التي يمكن ان تستوفيها الخزينة نتيجة القرار ونسبة لحجم الاستيراد، يتبين وفق الباحث في “الدولية للمعلومات” محمد شمس الدين أن لبنان استورد مشتقات نفطية في العام 2022 بنحو 5.390 مليارات دولار، وسيارات بقيمة 1.421 مليار دولار، وهواتف خليوية بقيمة 327 مليون دولار، اي ما مجموعه نحو 7 مليارات دولار. وفي حال كان حجم الاستيراد لهذه السلع في العام 2023 مشابها للعام 2022 فإن الرسوم التي يمكن استيفاؤها على سعر 15 ألف ليرة، ستبلغ نحو 600 مليون دولار على المشتقات النفطية، و52 مليون دولار على الهواتف الخليوية، اما الرسوم على السيارات، وعلى رغم صعوبة تقديرها نسبة لحجم السيارة ونوعها، فإنها ستقدر بنحو 280 مليون دولار. مجموع الرسوم على هذه السلع يقدر بنحو 932 مليون دولار، وبما أن قرار وزير المال فرض تسديد 75% من الضريبة نقدا، فذلك يعني ان الدولة ستستوفي نحو 700 مليون دولار نقدا على سعر 15 ألف ليرة أو ما يعادلها ب#الليرة اللبنانية، اي 10 آلاف مليار و500 مليون ليرة سنويا (نحو 900 مليار ليرة شهريا والبقية بموجب شيك مصرفي).
مصادر متابعة عزت لـ”النهار” هذا القرار إلى “تعزيز الايرادات النقدية للخزينة اللبنانية، وتحسين إدارة السيولة والمساهمة في الاستقرار المالي والنقدي في هذه الظروف الاستثنائية”.


