
خاص زحلة ديبايت :
هل تُطيح السياسة بالانتخابات… أم تُطيح الانتخابات بالسياسة؟
عاد شبح تأجيل الانتخابات النيابية ليحوم فوق المشهد اللبناني، لكن هذه المرة ليس عبر قرار واضح أو مبادرة رسمية، بل من خلال تسريبات ومواقف متناثرة توحي أكثر مما تُعلن. السؤال لم يعد تقنياً: هل يمكن إجراء الانتخابات؟ بل أصبح سياسياً بامتياز: من يملك الجرأة على تحمّل مسؤولية تأجيلها؟
في الكواليس، يدور نقاش يتجاوز المهل الدستورية إلى موازين القوى. فتعطيل الاستحقاق لا يتم ببيان عابر أو تصريح إعلامي. هو يحتاج إلى قرار سياسي ثقيل، تتبنّاه كتل وازنة أو تتقدّم به الحكومة بصيغة واضحة تعلن فيها استحالة التنظيم. وما دون ذلك يبقى في إطار المناورة أو رفع السقوف.
المفارقة أن معظم القوى السياسية لا تبدو متحمسة فعلياً لخوض الانتخابات في ظل الظروف الراهنة: أزمة مالية خانقة، توتر أمني متقطّع، انقسام سياسي حاد، وشارع فاقد للثقة. ومع ذلك، لا أحد يريد أن يُسجَّل في خانة من أطاح باستحقاق دستوري. الكلفة الشعبية عالية، والاتهام جاهز: “ضرب الديمقراطية”.
في المقابل، هناك قوى تعلن تمسّكها الصريح بإجراء الانتخابات في موعدها، وفي مقدّمها القوات اللبنانية وحركة أمل، إلى جانب موقف واضح من رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب بضرورة احترام المهل. هذا التوازن يجعل أي محاولة لتأجيل الانتخابات بحاجة إلى أكثر من رغبة خجولة أو حسابات ظرفية.
لكن المسألة أعمق من ذلك. فالتأجيل، إن حصل، لن يكون إجراءً تقنياً بل إعلاناً سياسياً بأن النظام عاجز عن إنتاج نفسه عبر صناديق الاقتراع. أما إجراء الانتخابات، في ظل الانقسامات الحالية، فقد يعيد خلط الأوراق ويقلب حسابات من يراهن على الوقت.
أما الرهان على الطعون أو الثغرات القانونية كمدخل للتأجيل، فهو سلاح غير مضمون النتائج. القضاء ليس صندوق بريد سياسي، وأي مسار قانوني لن يكون بالضرورة قابلاً للتوظيف وفق الرغبات.
المعادلة اليوم دقيقة: لا قرار بالتأجيل، ولا حسم نهائي بإجراء الانتخابات مهما كانت الظروف. إنها لحظة “توازن قلق”، حيث الجميع ينتظر خطوة كبيرة تقلب المشهد. فإذا تشكّلت أكثرية سياسية واضحة تطالب بالتأجيل، يصبح السيناريو واقعاً. أما إذا استمرّ التمسك العلني بالمهل، فستُجرى الانتخابات ولو على إيقاع الحد الأدنى من الحماسة.
لبنان يقف مجدداً أمام اختبار ديمقراطي. فإما أن تُثبت الطبقة السياسية أنها قادرة على احترام الاستحقاقات مهما اشتدّت الأزمات، وإما أن يكرّس التأجيل سابقة جديدة تُضاف إلى سجلّ التعطيل المفتوح.
في النهاية، المسألة ليست 50-50 فقط. المسألة تتعلق بصورة الدولة نفسها: هل ما زال صندوق الاقتراع هو الحكم، أم أن الحسابات السياسية ستنتصر مرة



